صديق الحسيني القنوجي البخاري
247
أبجد العلوم
من الشرف ، ويتم له ما قد ظفر به من بلوغ الغاية ، فمن ذلك علم الفقه ، وأقل الأحوال أن يعرف مختصرا في فقه كل مذهب من المذاهب المشهورة ، فإنه قد يحتاج إليها المجتهد لإفادة المتمذهبين السائلين عن مذاهب أئمتهم . وقد يحتاج إليها لدفع من يشنّع عليه في اجتهاده ، كما يقع ذلك كثيرا من أهل التعصب والتقصير . فإنه إذا قال له : « قد قال بهذه المقالة العالم الفلاني ، أو عمل عليها أهل المذهب الفلاني » كان ذلك دافعا لصولته كاسرا لسورته . وما أنفع الاطلاع على المؤلفات البسيطة في حكاية مذاهب السلف وأهل المذاهب ، وحكاية أدلتهم ، وما دار بين المتناظرين منهم إما تحقيقا أو فرضا ، كمؤلفات ابن المنذر ، وابن قدامة ، وابن حزم ، وابن تيمية ، ومن سلك مسالكهم ، فإن تلك المؤلفات هي مطارح أنظار المحققين ومطامح أفكار المجتهدين . ومما يزيد من آراء هذه الطبقة العلية علوا ، ويفيده قوة إدراك ، وصحة فهم ، وسيلان ذهن الاطلاع على أشعار فحول الشعراء ومجيديهم ، مع ما يحصل له بذلك من الاقتدار على النظم والتصرف في فنونه . فإن من كان بهذه المنزلة الرفيعة من العلم إذا كان لا يقتدر على النظم كان ذلك خدشة في وجه محاسنه ونقصا في كماله . وهكذا الاستكثار من النظر في بلاغات أهل الإنشاء المشهورين بالإجادة والإحسان ، المتصرفين في رسالاتهم ومكاتباتهم بأفصح لسان وأبين بيان ، لأنه ينبغي أن يكون كلامه على قدر علمه . وهو إذا لم يمارس جيد النظم والنثر كان كلامه ساقطا عن درجة الاعتبار عند أهل البلاغة ، والعلم شجرة ثمرتها الألفاظ ، وما أقبح العالم المتبحر في كل فن أن يتلاعب به في النظم والنثر من لا يجاريه في علم من علومه ، ويتضاحك منه من له إلمام بمستحسن الكلام ورائق النظام . وأنفع ما ينتفع به في ذلك ( منظومة الجزار ) « 1 » وشرحها ، و ( المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ) لابن الأثير . ثم لا بأس على من رسخ قدمه في العلوم الشرعية أن يأخذ بطرف من فنون هي من أعظم ما يصقل الأفكار ويصفّي القرائح ، ويزيد القلب سرورا والنفس انشراحا ، كالعلم الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب . وبالجملة فالعلم بكل فن خير من الجهل به بكثير ، ولا سيما من رشح نفسه للطبقة العلية والمنزلة الرفيعة . ودع عنك ما تسمعه من التشنيعات فإنها شعبة من التقليد ، وأنت بعد العلم بأيّ علم من العلوم حاكم عليه بما لديك من العلم غير محكوم عليك ، واختر لنفسك
--> ( 1 ) هو جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى الجزار المصري المتوفى سنة 679 ه . من آثاره : العقود الدرية في الأمراء المصرية ؛ ولعلها منظومته التي أشار إليها المؤلف هنا ( معجم المؤلفين : 4 / 102 ) .